محمد خليل المرادي
134
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
ثم شرع في تحصيل العلوم حتى حصل منها الكثير الطيب . وصار مرجعا للعلماء ، وحضرته محط رحال الفضلاء . ثم اشتغل بعلوم الطريق ، وأخذ عن كثير من أهله العارفين باللّه ، حتى حصلت له نفحة من بعض أولياء اللّه تعالى . وبشّره بأشياء حصلت له . واشتهر ذكره في حياة والده . وعظم قدره . وولاه والده الأعمال العظيمة فباشرها أحسن مباشرة . ثم حصل لوالده فالج عطّله عن الحركة . وكان ولي عهده من بعده أكبر أولاده دارشكراه ، فبسط يده على البلاد ، وصار هو المرجع والسّلطان معنى . فلم ترض نفس المترجم وأخوه « مرادبخش » بذلك ، فاتفقا على أن يقبضا عليه ويتولى المملكة منهما مرادبخش . فقبضا عليه . ثم احتال أورنك زيب على مرادبخش أيضا وقبض عليه . ووضع أخويه في الحبس . ثم قتلهما لأمور صدرت منهما زعم أنهما استوجبا بها ذلك . وحبس والده . واشتغل بالمملكة من سنة ثمان وستين وألف . وأراد اللّه بأهل الهند خيرا . فإنه رفع المظالم والمكوس . وطلع من الأفق الهندي فجره . وظهر من البرج التيموري بدره . وفلك مجده دائر . ونجم سعده سائر . وأسر غالب ملوك الهند المشهورين . وصارت بلادهم تحت طاعته . وجبيت إليه الأموال . وأطاعته البلاد والعباد . ولم يزل في الاجتهاد في الجهاد ، ولم يرجع إلى مقر ملكه وسلطنته بعد أن خرج منه . وكلما فتح بلادا شرع في فتح أخرى . وعساكره لا يحصون كثرة وعظمة . وقوّته لا يمكن التعبير عنها بعبارة تؤديها حقها . والملك للّه وحده . وأقام في الهند دولة العلم . وبالغ في تعظيم أهله . حتى قصده الناس من كل البلاد . والحاصل أنه ليس له نظير في عصره في ملوك الإسلام ، في حسن السيرة والخوف من اللّه سبحانه ، والجد في العبادة . وأمر علماء بلاده الحنفية أن يجمعوا باسمه فتاوى تجمع جلّ مذهبهم ، مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية . فجمعت في مجلدات وسماها بالفتاوى العالم كيرية . واشتهرت في الأقطار الحجازيّة والمصرية والشامية والرومية . وعم النفع بها . وصارت مرجعا للمفتين . ولم يزل على ذلك حتى توفي بالدكن في شهر ذي القعدة الحرام . سنة ثماني عشرة ومائة وألف . ونقل إلى تربة آبائه وأجداده . وأقام في الملك خمسين سنة . رحمه اللّه تعالى . السيد محمد المرادي - 1169 ه محمد بن السيد مراد بن علي المعروف بالمرادي الحسيني النقشبندي الحنفي البخاري الأصل الدمشقي . تقدّم ذكر ولده إبراهيم وعلي ووالده . وهذا هو جدي والد والدي الأستاذ العارف